ابراهيم بن عمر البقاعي
32
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
وَالْقَمَرَ آية لليل كذلك ! ثم استأنف ما سخرا فيه فقال : كُلٌّ أي منهما يَجْرِي أي في فلكه سائرا متماديا وبالغا ومنتهيا . ولما كان محط مقصود السورة الحكمة ، وكانت هذه الدار مرتبطة بحكمة الأسباب والتطوير ، والمد في الإبداع والتسيير ، كان الموضع لحرف الغاية فقال : إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لا يتعداه في منازل معروفة في جميع الفلك لا يزيد ولا ينقص ، هذا يقطعها في الشهر مرة وتلك في السنة مرة ، لا يقدر واحد منهما أن يتعدى طوره ، ولا أن ينقص دوره ، ولا أن يغير سيره . ولما بان بهذا التدبير المحكم ، في هذا الخلق الأعظم ، شمول علمه وتمام قدرته ، عطف على « أَنَّ اللَّهَ » ، قوله مؤكدا لأجل أن أفعالهم أفعال من ينكر علمه بها : وَأَنَّ اللَّهَ أي بما له من صفات الكمال المذكورة وغيرها ، وقدم الجار إشارة إلى تمام علمه بالأعمال كما مضت الإشارة إليه غير مرة ، وعم بالخطاب بيانا لما قبله وترغيبا وترهيبا فقال : بِما تَعْمَلُونَ أي في كل وقت على سبيل التجدد خَبِيرٌ * لا يعجزه شيء منه ولا يخفى عنه ، لأنه الخالق له كله دقه وجله ، وليس للعبد في إيجاده غير الكسب لأنه لا يعلم مقدار الحركات والسكنات في شيء منه ، ولو كان هو الموجد له لعلم ذلك لأنه لا يقدر على الإيجاد ناقص العلم أصلا ، وكم أخبر سبحانه في كتبه وعلى لسان أنبيائه بأشياء مستقبلة من أمور العباد ، فكان ما قاله كما قاله ، لم يقدر أحد منهم أن يخالف في شيء مما قاله ، فتمت كلماته ، وصدقت إشاراته وعباراته ، وهذا دليل آخر على تمام القدرة على البعث وغيره باعتبار أن الخلائق في جميع الأرض يفوتون الحصر ، وكل منهم لا ينفك في كل لحظة عن عمل من حركة وسكون ، وهو سبحانه الموجد لذلك كله في كل أن دائما ما تعاقب الملوان ، وبقي الزمان ، لا يشغله شأن منه عن شأن ، وقد كان الصحابة رضي اللّه عنهم لما خوطبوا بهذا في غاية العلم به . لما ذكر من دليله ، ولما شاهدوا من إخبار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن مغيبات تتعلق بأناس غائبين وأناس حاضرين ، منهم البعيد جدا والمتوسط والقريب ، وغير ذلك من أحوال توجب القطع لهم بذلك ، هذا علمهم فكيف يكون علم المخصوص في هذه الآية بالخطاب صلّى اللّه عليه وسلّم ، مع ما يشاهد من آثاره سبحانه وتعالى ، ويطلع عليه من إبداعه في ملكوت السماوات والأرض وغير ذلك مما أطلعه عليه سبحانه وتعالى من عالم الغيب والشهادة . ولما ثبت بهذه الأوصاف الحسنى والأفعال العلى أنه لا موجد بالحقيقة إلا اللّه قال : ذلِكَ أي ذكره لما ذكر من الأفعال الهائلة والأوصاف الباهرة بِأَنَّ أي بسبب أن اللَّهَ أي الذي لا عظيم سواه هُوَ وحده الْحَقُّ أي الثابت بالحقيقة وثبوت